حين تعود السويد وفنلندا خطوة للأمام: دروس للإمارات في عام المجتمع

في زمن تُرفع فيه شعارات “الرقمنة” و”التعلم الذكي” على رأس أولويات الأنظمة التعليمية حول العالم، جاءت خطوة السويد وفنلندا الأخيرة لتكون بمثابة جرس إنذار تربوي. دول كانت رائدة في تبني التكنولوجيا التعليمية، اختارت الآن أن تعيد طلابها إلى الورقة والقلم، بعد أن رأت في الميدان ما لا يمكن تجاهله: تراجع مهارات القراءة والكتابة، وضعف الفهم العميق، وضياع التفاعل الإنساني في زحمة الشاشات.

كباحثة ومهتمة بقضايا تمكين الشباب والتعليم المستدام، أرى أن هذه العودة ليست نكوصًا للوراء، بل هي تصحيح لمسار انحرف قليلًا عن جوهر العملية التربوية. فالكتابة باليد ليست مجرد مهارة تقنية، بل عملية عقلية متكاملة، تُحفّز الدماغ، وتقوي الذاكرة، وتُعزز من قدرات التحليل والفهم، تمامًا كما أكد خبراء التربية.

التعليم: أكثر من مجرد تقنية

نحن في دولة الإمارات، نفاخر بتقدمنا في مضمار التعليم الذكي، وبناها التحتية التي تضاهي الدول المتقدمة. لكننا – بحكمة قيادتنا – نؤمن أن التقنية تظل وسيلة، لا غاية. السويد اليوم تذكرنا بحقيقة بسيطة: لا يمكن أن تحل الشاشة محل العلاقة التربوية بين المعلم وطالبه، ولا يمكن أن يعوض التطبيق الذكي عن تلك اللحظة التي يُمسك فيها الطالب قلمه ليُدوّن فكرة، أو يُحلل معلومة، أو يُمارس مهاراته الحركية الدقيقة.

دروس مستفادة لنا كعرب

إن قرار السويد، الذي حذت حذوه أيضًا فنلندا مؤخرًا، ينبغي أن يحفزنا في المنطقة العربية عمومًا، وفي الإمارات خصوصًا، على إعادة تقييم التوازن بين الأصالة والمعاصرة في التعليم. فبينما نستثمر في أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي ومنصات التعلم الرقمي، علينا أن نُبقي للورقة والقلم، وللمدرس في الصف، مكانتهما كركيزة لا غنى عنها لبناء العقول الناضجة والمهارات الأساسية.

وفي سياق “عام المجتمع” في دولتنا الحبيبة، تتجلى هذه الدعوة بأهمية مضاعفة؛ إذ أن تقنين استخدام الأجهزة لا يُعيد فقط للتعليم توازنه، بل يُعيد للأسرة والمجتمع أدوارهم الطبيعية. كلما خفت وهج الشاشات، زاد الوقت النوعي مع الأهل، وتعزز التواصل الاجتماعي الحقيقي، بدلًا من العلاقات الافتراضية. فالتعليم المتوازن اليوم هو استثمار مباشر في ترابط الأسرة، وتماسك المجتمع.

دعوة للتوازن الذكي السويد لم تُلغِ التقنية، بل أعادتها لدورها الطبيعي: مساعدًا لا قائدًا. وهذا هو التوجه الذي أدعو إليه كخبيرة إماراتية في مجال تطوير الكفاءات: تكنولوجيا مُقننة، وتعلم حضوري يُعزز القيم الإنسانية، ومهارات أساسية تُبنى على الجهد والتفاعل، لا على النقر السريع على الشاشة. وهنا أستذكر قول الله تعالى: ” الذي علَّم بالقلم”؛ آية تؤكد لنا أن القلم، كأداة للعلم، يحمل بعدًا روحيًا وثقافيًا عميقًا. فإمساك الطالب بالقلم لا يُنمي فقط مهاراته الحركية الدقيقة، بل يُفعّل قدراته العقلية، ويُرسّخ المعلومات في ذاكرته، كما أثبتت الدراسات الحديثة.

أبناؤنا يستحقون تعليمًا متوازنًا

نعم، نريد لأبنائنا أن يُجيدوا البرمجة، وأن يتفاعلوا مع الذكاء الاصطناعي، لكننا نريدهم أيضًا أن يُمسكوا القلم بثقة، ويُناقشوا بحكمة، ويُحللوا بعمق. فالتعليم الذي يبني العقول لا يُقاس بعدد الأجهزة، بل بنوعية المهارات والقيم التي نُغرسها في أبنائنا. والتعليم الذي يُعيد للأسرة والمجتمع دورهما، هو التعليم الذي يُؤسس لمجتمع قوي، متماسك، وواعٍ بقيمة التوازن بين التقنية والإنسانية.

اترك رد

اكتشاف المزيد من بِذرة - صناعة جيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading